___________________________________________
*مجلة هاوار العدد /13/ السنة 1932 الصفحة 4 .
عزاء خالي
حدث في 3 حزيران طوفان عجيب في سماء الأكراد، فجأة سقطت نجمة أكثر إضاءة واشراقة، بل غضبت، وانحدرت في طريق اخرى، ولم تعد.
لذا نلاحظ أن الضياء قليل في عالمنا، وقد خيم الحزن على الأكراد خاصة وضع المثقفين من جراء سقوط النجمة، وبقي الأكراد مجروحين، (مثخنين بالجراح) وأنا واحد من أولئك الناس.
خيم الدخان والضباب على بساتين روحي، وامتلأ داخلي بالجروح والقروح والأشباح.
ترى ماذا حدث؟ ماذا يجري بعد! لقد أفترق خالي عنا، افترق استاذي وموجهي، ودفن تحت التراب الأسود في عالم الظلمات، يا خسارة.. يا خسارة.
كان خالي عدواً لعائلتنا منذ القديم، لكن عندما وعيت على الدنيا، وأصبحت أميز الصالح من الطالح، فأصبح خالي صديقي، لذا كان محباً للحركات والجمعيات، وكان والدي وأخي يخافان ألا أنقطع عنه أبداً، ومع ذلك ذهبت تهديدات أقربائي أدراج الرياح لا فائدة منها، كنت أحافظ على هذه الصداقة داخل روحي وكأنني أحافظ على روحي، وكان هو بدوره يحبني من كل قلبه.
ترى لماذا ترك وطنه الذي يشبه الجنة، وأيضاً الأميرات والأفراح والأتراح، وجاء الىهذه الجبال وأستقر في البرية ؟ لم يراود خالي أن يسأل نفسه هذا السؤال . حبه للوطن جعل كل شئ لا قيمة ولا فائدة له. هيهات، لكن لم يوفقه الله. احرقته جمرة النار التي كانت في داخله تتأجج، راحت رغبته وهدفه معه إلى القبر .
لا. لا لم تكن رغبته، ولم يكن هو نفسه، لم يذهب سدىً إلى القبر ، كانت رغبته، ورغبتنا ورغبة الجميع. إنه يعيش فينا، وسيعيش فينا حتى اليوم الأخير، لم ينحدر إلى القبر سدىً، لأن من يموت في طريق تحرير الشعب، ويدفن تحت التراب، ترتفع روحه إلى السماوات، وبنفس الوقت يعيش في قلوب الشعب.
كان الافندي في شبابه محباً للكردية أعلن صراحة في زمن ما عن الحركة
الكردية في ديريك بحرية، وأصبح هو نفسه مسؤولاً عنها، اجتمع الأعضاء من كل الجهات، كان ذكياً لم يتجاوز الرابعة أو الخامسة والعشرون من عمره، عندما أصبح زعيم ثلاث عشائر، كان موظفو الأتراك ألعوبة في يديه. ساعد المرحوم شيخ سعيد في ثورته مع كثير من الآغوات والبكوات والناس الوطنيين والمقربين منهم وبعض رجاله، لكن لم يذهب الأفندي. التجأ إلى جبال مازي مع بعض رجاله، هجم على جنود (حراس) قرية شواش، أسر الجنود وبعض المدافع، وعندما اعتقل كمال فوزي بك سمع أفندي أن الاتراك سيأخذون كمال فوزي إلى الاناضول عن طريق سيورك. أرسل اخاه صالح بك بعد أن سمع الخبر/ أصبح شهيد الشعب/مع بعض الرجال إلى سيورك، لينقذوا كمال فوزي بك من أيدي العدو، ولكن للأسف لقد أرسلوه عن طريق خاربت .
بعد مقتل الشيخ أخذوا ـ سروري العزيز ـ إلى محكمة الاستقلال (للاستجواب، لكن الله أنقذه من تلك المصيبة، ثم نفوه إلى الاناضول. لم يتوقف هناك مكتوف الأيدي، كان يرشد ويوعي أصدقاءه الجهلة، كان يجتمع مع اصدقائه، لذلك لم يستقر في مكان ما، لم يبق في مكان واحد يومين متتاليين، فقد كانوا يرسلونه إلى مكان آخر.
جاء إلى وطنه أيضاً بعد العفو، جمع الشباب حوله، وتعامل مع الحركات الكبيرة، وأنا كنت واحداً من الشباب الذين التفوا حوله، لم يكن يخبىء أو يستر أي شيء عنا، عندما جاء إلى سوريا، أخبرني وبعض الأصدقاء، وكما كتبت مجلة هاوار، لم يتفق... توجهت إلى أسفل الخط (الجزيرة ـ سوريا)، وبعد قدومه انقذ أطفاله أنفسهم من الضياع.
لم تمضِِ سنة، فقد تابعته أنا أيضاً. التقينا مع بعضنا في الحسكة صدفة، لأن ابن اخته قد قتل أحد أعمامي، كانت علاقاتنا فاترة (متوترة) قليلاً، لكن علاقتنا الكردية كانت حماسية قوية.
كان أفندي دون شك رجلاً رائعاً، الرجال من امثاله قليلون، لذلك يتطلب على كل كردي شريف أن يعقد السواد و الحزن، على وفاته، يرحمه الله، ويشمل برحمته.
________________________________________
* مجلة هاوار العدد /22/ السنة 1933 الصفحة 6.
القسم
مضت الأيام، ولم أتذكرها جيداً، كانت مدرستنا مؤلفة من طابق واحد بدون إكساء. عندما يفتح باب الشارع يوجد دهليز ضيق ومظلم يؤدي إلى باحة كبيرة عارية من الاشجار. يوجد في الباحة برميل ماء صديءٍ كنا نتوضأ بمائه.
يلعب الفتيات و الأولاد معاً ويدرسون معاً. كانت الخوجة الكبيرة تدرسنا وهي إمرأة طويلة، وخفيفة العقل. وكان الخوجة الصغير هو ابن الخوجة الكبيرة، مازال طفلاً.
كنت أجلس في آخر مقعد خلف الطلاب، كي لا تصلني عصا الخوجة الكبيرة. لذلك أطلقوا علي اسم الثعلب. وقد كان جميع الطلاب لهم ألقاب حـــسب طبيعتهم وتصـرفاتهم واشكالهم مثلاً الذئب الشرس، جحر الفأر، البقار ... الخ.
* * *
يوجد في المدرسة شكل من أشكال العقوبة، هي الفلقة، ولم تستطع الفتيات الكبار أن ينقذون أنفسهن من الفلقة، لم لايوجد أحد لم يخف ولم يرتجف من الفلقة. من كانت عقوبته صغيرة يستلمه الخوجة الصغير بالكفوف واللكمات ثم تأتي دور الخوجة الكبيرة ، وتنهال عليه بالعصي حتى يسوّد جسمه ويتورم.
كنت أعاقب أقل من كل زملائي، فقد شدت الخوجة الكبيرة مرة أذني وآلمتني عدة أيام. ومع ذلك لم يكن لدي ذنب، ولم أكذب بل قلت الحقيقة.
كسر طالب ذات يوم صنبور برميل الماء الذي كنا نتوضأ منه، وأرادت الأم وابنها (الخوجة الكبيرة والخوجة الصغير) أن تعرف من الذي فعل هذه الجريمة ؟، فالذي كسر الصنبور كان طفلاً صغيراً ضعيف البنية مريضاً . . هكذا قلت للخوجة الكبيرة. وكادت الخوجة أن (تضربه فلقة)، لكن الطفل الصغير كان ينكر فعلته، فجأة جاء طالب آخر الىالخوجة وقال: أنا الذي كسرت صنبور البرميل وليس هو). ثم تمدد على الأرض يستعد للفلقة، وبدأت الخوجة، ترفع عصاها وتنزلها بقوة، والطفل / الطالب يبكي ويتدخل إلى أن تجاوز عدد العصي 30 ـ 40 عصاً. ثم التفتت الخوجة الكبيرة علي وقالت:
(لماذا تكذب وتتهم زميلك زوراً وبهتاناً ؟) عندها شدت أذني عدة مرات رفعتني عن الأرض.. بكيت وبكيت، لأنني لم أكذب، نعم مستو هو الذي كسر الصنبور، وقد رأيته بأم عيني ثم أخبرت الخوجة الكبيرة .
بعد أن خرجنا من المدرسة، رأيت ذلك الطفل الذي كذب على نفسه وتمدد على الأرض أمام الفلقة أمسكت صدره وسألته:لماذا جعلتني كاذباً، وكذبت على نفسك أيضاً، وعوقبت بدون سبب، أنت لم تكسر الصنبور .
قال:نعم أنا الذي كسرت الصنبور.
ـ لا. لم تكسره، مستو هو الذي كسر الصنبور، رأيته بعيني ثم أخبرت الخوجة الكبيرة لم يستطع أن يستر الحقيقة أكثر، نظر الي تأمل فترة ثم قال لي:إن عاهدت ولم تخبر الخوجة سأقول لك الحقيقة، عاهدته ألا أخبرها كانت لدي رغبة شديدة أن أعرف ماذا جرى. قال الطفل: نعم، مستو هو الذي كسر الصنبور، أعرف هذا، لكنه ضعيف جداً ومريض أيضاً، ألم تره ؟ هل يتحمل الفلقة ؟.
قلت: لماذا عوقبت بدلاً عنه ؟
قال :لماذا ؟ لأننا تعاهدنا معاً، وهو اليوم مريض، وأنا سليم الجسم معافى، وقد انقذته من العقوبة .
قلت: ما هي المعاهدة ؟
قال: ألم تعرف ؟
قلت: لا.
ابتعد قليلاً وقال: نمزج دماءنا ثم نلعقها سوية، ونتعاهد معاً أن نصبح أخوة في الدم ونساعد بعضنا حتى الموت .
لاحظت أن كثيرون من الأطفال تعاهدوا معاً وأقسموا اليمين.
رأيت يوماً هذا بعيني. كان الخوجةالصغير أمام البرميل يتوضأ، تدير الخوجة الكبيرة ظهرها لنا، وتصلي. كان الأطفال يجرحون أكتاف بعضهم بسكين لها مقبض خشبي، ويسيل الدم من الاكتاف ثم يلعقون الدم، ويقسمون اليمين معاً.
كان القسم واخوة الدماء هاجسي، لو كان لدي شقيق الدم لعوقب بدلاً
عني عندما شدتني الخوجة من أذني ولم يترك أن تشد أذني وانقذني أحياناً من الفلقة. كنت أرى نفسي في المدرسة وحيداً، وكان لدي بعض الأصدقاء، لكن لم نتعاهد بعد ولم نكن أخوة في الدم .
أبديت ذات يوم عن رغبتي هذه لوالدتي. وذكرت لها عن قصة شقيق الدم. صرخت والدتي في وجهي وقالت: ربما جننت، لا أريد أطفال هكذا .
لكن لم أهتم بها، كان القسم (التعهد) هاجسي، وقد وضعته نصب عيني، أردت أن أختار من بين زملائي شقيق دم قوي، اهدتني مصادفة جميلة هذا الصديق. كان الأطفال جميعاً يجتمعون يوم الجمعة في بستاننا، كنا نلعب معاً حتى المساء، كان لدي صديق كنت أحب اسمه أكثر منه، كان يصارع أكثر الاحيان الذئب المفترس ، والذئب المفترس اسم أطلقته الخوجة الكبيرة على (جمو)، وفعلاً كان جمو يشبه الذئب المفترس، كان يضرب الأطفال كثيراً، كان (سندك هافين) يجلب معه كل جمعة دزينة من عصي الصفصاف، وكنا نلعب بهذه العصى لعبة الحصان، ونخرج معاً إلى السباق.
ذات يوم من أيام الجمعة أحضر سندك معه حزمة من العصي، أخترت لنفسي عصا طويلة ومستقيمة وكنت أقشر قشرتها بسكين حادة، وكنت أحضّر لحصاني الأنف والأذن.
كان سندك وأصدقاؤه الآخرون ينتظرون السكين كي يحضّروا مثلي أحصنتهم. لا أعرف ماذا جرى وإذا بالسكين التي في يدي خرجت من بين القشور وأصابت الاصبع الصغرى من يدي اليسرى. وسال منها دم أحمر، خطرت لي فكرة القسم في ذلك الوقت. القسم. نسيت ألم أصبعي وقلت لسندك:
ـ هيا يا سندك ، أنا جاهز ، هيا اجرح يدك، كي نتعاهد معاً ونقسم اليمين على أن نبقى اخوة الدم نظر سندك إلى الأرض وتمعن فيها قليلاً ثم قال: هل يجوز هذا، يجب أن نلعق دماء زنودنا من أجل أخوة الدم.
قلت: لايهم. . . أليس دماً إن كان من اليد أم من الزند؟
قال سندك: (جميل) أخذ السكين من يدي وشمّر عن ساعديه ثم جرحه بعمق. كان دمه سميكاً لم يسل، تحول إلى نقطة، مزجنا دمائنا مع البعض. لعقت أنا أولاً، كان دماً ساخناً ومالحاً. ثم لعق هو دم اصبعي.
لا أذكر كم من الزمن مر على الحادثة... شهر أم سنة. كنت قد نسيت أنني وسندك أخوة في الدم، كنا نذهب معاً إلى المدرسة ونعود معاً، ذات يوم كان الجو حاراً، وتركتنا الخوجة الكبيرة في منتصف النهار قبل أن نكمل الدروس كأيام الخميس... كنا نعود أنا وسندك بهدوء إلى البيت، وضعت منديلي على رأسي، يسيل العرق من جباهنا، نسير في طريق ضيق وصغير. فجأة ظهر كلب أسود ضخم أمامنا، يلاحقه بعض الرجال بالعصي، صرخوا فينا وقالوا :
ـ تنحوا جانباً، سيعضكما . . .
خفنا ولم نعرف ماذا نفعل، قلت (هيا لنهرب. أحمرّت عيون الكلب كالجمر في وجهه، اقترب منا الكلب، قال سندك
اختبىء ورائي) ثم تقدم إلى أمامي. هاجمه الكلب ، رمى سندك نفسه على الكلب، كالمصارعين مد كل واحد يده إلى الآخر وهز بعضهما، وقف الكلب على قدميه الخلفيتين. ثم وقع الأثنان على الأرض.
أستمرت المعركة طويلاً بالنسبة لي، كنت أرتجف خوفاً. وصل الرجال الذين كانوا يلاحقون الكلب، وضربوا الكلب بالعصي . تخلص سندك، وسال من وجهه الدم، خاف الكلب ووضع ذيله بين قائمتيه الخلفيتين وخفض رأسه أرضاً وهرب مسرعاً . قال لي سندك: لا تخف، لم يحصل شيئاً، الجرح صغير احتضن الرجال سندك وأخذوه إلى بيته. وأسرعت بدوري إلى البيت وأخبرت والدتي بهذه الحادثة . لم يأت ساندك إلى المدرسة في اليوم التالي، قلت لوالدتي. هيا لنذهب إلى بيته يا أمي لنزور سندك) لم توافق والدتي. كانت تقول سندك مريض لا يجوز أن نزعجه كنت أذهب كل صباح إلى المدرسة على أمل أن أرى سندك، لكنه لم يأت.. ولن يأت. لقد كان الكلب مسعوراً، أخذوا سندك إلى ديار بكر إلى الأطباء ومن هناك أخذوه إلى أسطنبول ثم سمعنا أن سندك قد مات .
كلما استيقظت في أيام الصيف من النوم ورأيت الصباحات الملونة الجميلة تذكرت كجميع الناس طفولتي. تراءى لي بلدي الاخضر الذي ولدت فيه، ودون علم من سالت الدموع من عيني على يدي اليسرى، أنظر إلى أصبعي الصغرى، الى الفقرة الوسطى، يظهر عليه أثر الجرح الذي حافظ على ألمي ندبةٌ صغيرة وبيضاء، ومازالت حرارة شفاه صديقي المضحي تنبعث منها. يتراءى لي من ورائها ذلك الصديق الشجاع، الصديق الذي دفع حياته من أجل القسم، من أجل انقاذ صديقه، صارع كلباً مسعوراً.
سالكين12/9/1941