قصة قصيرة - تنّور امي

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع Kurd Day
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

Kurd Day

Kurd Day Team
أقول الآن , بعد خمس وثلاثين سنة , أنّه لولا وجود التنّور الذي كانت أمي تخبز لنا الخبز عليه , ربّما , كنت قد أصبحت الآن شخصا آخر , بالطبع القضيّة تعود إلى إصراري الشديد على الاستمرار , وبلا هوادة , بلعبة الكلل او الدحاليل , رغم تهديدات أبي الكثيرة لي بالعقاب حتّى ضربي و الحرمان من إرسالي إلى المدرسة, نعم كان أبي وأمي يهدداني بعدم إرسالي إلى المدرسة في حال ارتكابي لبعض الحماقات أو عدم الالتزام بقواعد التربية التي أرادوني ان التزم بها, كان رماد التنّور هو مكان كنز الطفولة الخاص بي , و مخبئ الدحاليل التي كنت العب بها نهارا منذ الصباح وحتى ما بعد الظهيرة , فأعود عندها إلى البيت متلصصا , وأقوم بدسّ الدحاليل التي معي في رماد التنّور الذي يحتل جزءا من مدخل بيتنا القديم , وكان هذا البيت مبنيّا من الحجر والطين , ويعتبر حينها , السبعينيات , قصرا في عيون أقاربي , بعد ان أدس الدحاليل في الرماد , وأتأكد من ان لا أحد يراقبني من اولاد الجيران كي لا يسرقوها , ان أمي لا تراقبني فتكشف مخططاتي العتيدة والجهنمية , أقوم بغسل يدي ببعض البصاق الذي استو لده استيلادا من فمي الناشف , والذي لم يتناول الماء منذ ستة او سبعة ساعات , في صيف قائض , بلا ظل وبلا توقف عن اللعب , أحاول جاهدا ان افرك مفاصل الأصابع حتى أزيل عنها التراب وبقية آثار الاحتكاك المزمن بالأرض جرّاء اللعب بالدحاليل , ولكن هيهات فقد كانت الآثار المتراكمة لأسابيع عصيّة على الزوال ّ, وعندها لم يكن لي أي رجاء او بصيص أمل بالإفلات من عقوبة جديدة من أمي او أبي في حال لاحظ ايّ منهما هذه الاثار على يديّ وكانت حجتي أو كذبتي الكبرى ّو انا لم العب منذ ثلاثة او أربعة ايام وملتزم بالوعد الذي قطعته لكما , ولكن الاثار القديمة مازالت موجودة وهي ليست من جراء اللعب اليوم , صدقوني , كنت أقول هذا وأنا أخاف ان انظر في عينيّ والدي في حال سألاني عن هذه الآثار و التقرحات في ظاهر يدي اليمنى , وأزيد على ذلك لأقول لهم ان كنت العب بالدحاليل فأين هي تلك الدحاليل , بمعنى في حال عدم وجود جثّة فلا توجد جريمة ...... كم أتمنى ان يكون لكل طفل في أي قرية تنور خاص به وعلبة دحاليل .

كانت الدحاليل التي نلعب بها تهترئ وتنكسر مع الزمن , فقد كانت مصنوعة من الزجاج , كانت غالبيتها صناعة صينية ومن زجاج معاد تصنيعه , وكنا نتنافس على امتلاك أفضلها برأينا , فهناك الملون , والمغزول , والحليبي , والشفاف , وكانت أفضلها هي الدحاليل المصنوعة من الزجاج الضبابي بلون رمادي أو ابيض حليبي مع مسحات من اللون الأزرق السماوي لأنّها كانت تدوم اكثر ومشكلتها الكبيرة بالنسبة لنا ان الواحدة منها كانت بعشرة قروش بينما الأنواع الأخرى بخمسة قروش او ثلاثة بعشرة قروش , قليلا ما كنت اشتري دحاليلا جديدة بسبب الحظر الأبوي عليها وعدم تمكني من تامين المال الكافي لشرائها , فقد كنت اصرف ما احصل عليه على شراء دفاتر جديدة وألوان جديدة ومحايات وبرايات , لشدة ولعي بالكتابة والرسم والتلوين . حتى انني حصلت على جائزة أفضل رسم في معرض مدرستنا عام 1979 وجائزة افضل اختراع بنفس المعرض عن خارطة الدول الكهربائية , وبسبب هذا الأمر كنت ألجا إلى إستراتيجية خاصة تقوم على استبدال الدحاليل القديمة بالجديدة , لا تستغربوا , نعم , كنت من الأقوياء في هذه اللعبة وغالبا ما كنت أكسب ثلاثة إلى أربعة دحاليل يوميا من الآخرين , أصدقاء الطفولة , فريدو , دارا, راغبو , سلو , جوتو , وعند نهاية النهار كنت اعرض على الخاسرين ان يعطيني إحدى الدحاليل الجديدة مقابل اثنتين من القديمة المستعملة , وإستراتيجية أخرى كنا نتبعها جميعا , فقد كانت بعض أنواع الدحاليل وإشكالها تصبح بنظرنا أبطالا حقيقيين وننسب لها ولقدراتها الخارقة سبب فوزنا أو فوز غيرنا وكنا ندعو الواحد منه بالكردية( الدقّ) و الطفل الذي يمتلك أكثر من دقّ واحد يعتبر غنيّا ويحوم حوله الأولاد ليسرقوه منه أو يستبد لوه باثنين أو ثلاثة من الدحاليل أو حتى خمسة دحاليل , وبسبب ذك فقد كانت ثروتي من الدحاليل تكبر شيئا فشيئا إضافة إلى ما كنت استطيع ان اشتريه منها بين الحين و الأخر , وأتذكر انه في صيف عام 1980 كان عدد الدحاليل التي املكها حوالي خمسمائة , بعت نصفها بحوالي عشرين ليرة سورية(حوالي غرامين من الذهب حينها) وتنازلت عن الباقي لإخوتي الصغار لأننا في ذلك الحين بدأنا نلعب لعبة الأوراق الملونة التي نحصل عليها من شراء العلكة , بالإضافة إلى المصيبة الكبيرة التي حدثت لي فقد تهدم تنور أمي بسبب الأمطار الغزيرة ولم يتم إعادة ترميمه لان البلدية حفرت الشارع من اجل تمديد مجاري المياه المالحة ولم يكن بالإمكان ان يبقى التنور في مكانه , كما ان فرنا آليا افتتح في منطقتنا , انتهى عهد الدحاليل عندي بالتوازي مع موت التنور

د.هجار عبدالله الشكاكي
 
عودة
أعلى